جديد الموقع
recent

المـدارس التـاريخيـة بفـاس من الوظيفة التعليمية والدينية إلى خرائب متداعية


المـدارس التـاريخيـة بفـاس
من الوظيفة التعليمية والدينية إلى خرائب متداعية
سعيد العفاسي
لقد شهدت فترة حكم بني مرين، تطوراً مهماً في المجالين العلمي والعمراني، وتجسد ذلك من خلال بناء المدارس وتأسيس المكتبات وتشجيع العلماء، ببناء المراكز الخاصة بهم وبطلبة العلم وتوقيف الأوقاف لفائدة الكراسي العلمية، وإجراء الجرايات لصالح العلماء والمدرسين والمؤلفين والخطاطين، وقد انخرطت الدولة المرينية بشكل فعلي في الحركة العلمية بالمغرب الأقصى، حيث شارك سلاطينها في المجالس العلمية، ومازالت في كتب التاريخ نصوص تتحدث عن أبي الربيع سليمان وأبي الحسن المريني وأبي عنان الذين رفعوا من شأن العلم وطلابه في مختلف العلوم وخصوصاً في الفقه المالكي. لقد تنافس سلاطين بني مرين في إنشاء المدارس والرباطات والمساجد، والتي اعتبرت مراكز لتعليم الطلبة في شتى المجالات العلمية، وركزت الدولة بالأساس في المجال الديني على تدريس أمهات الكتب في الفقه المالكي، ابتداء من كتاب الموطأ للإمام الجليل مالك بن أنس رضي الله عنه، إلى آخر ما كتب من طرف فقهاء المالكية البارزين، كمدونة ابن سحنون ورسالة أبي زيد القيرواني..
حيث نجد أول من بدأ في ذلك السلطان يعقوب بن عبدالحق المريني، حيث قام بإنشاء أول مدرسة بفاس «مدرسة الصفارين أو اليعقوبية أو الحلفاويين»، ووقف عليها كتب العلم، فتنافس سلفه في بناء المدارس والرباطات والمساجد وأوقفوا عليها الأوقاف وأجروا على الطلبة بها الجرايات الكافية، ورتب فيها الطلبة لقراءة القرآن الكريم، وعين الفقهاء لتدريس العلم وأجرى عليها المرتبات والمؤذن في كل شهر، جنح سلاطين بني مرين إلى الخير والعلم وأهله والصلحاء، تشهد بذلك آثارهم الباقية إلى الآن في بعض المدارس التي تكابد من أجل البقاء، لقد كان التعليم حتى مجيء المرينيين يلقن من دون شك في المساجد العتيقة، أو في أهمها على الأقل، وهو جامع القرويين وجامع الأندلس، عبارة عن حلقات دينية وكراسي علمية لشرح الكتب الستة الصحيحة بعد القرآن، وتقديم المعارف لمختلف الشرائح المجتمعية، لكن مثل هذا النظام كان من شأنه أن يستبعد مادياً الطلبة الغرباء عن فاس، أو الذين ليست لهم اتصالات تمكنهم من الحصول على سكن داخل الحرم الجامعي للقرويين، فقرر المرينيون إحداث مؤسسات خاصة، يجد فيها الراغبون في العلم من المغرب وخارجه السكنى والطعام والغذاء الفكري، فكانت فكرة بناء المدارس تشتمل على عدة حجرات يبيت فيها الطلبة، وقاعات للدرس، ومرافق صحة، وقاعة يؤدي فيها الطلبة فرائضهم الدينية، وقد أنشئت اثنتان من هذه المدارس كمساجد جعلت لهما صومعتان، كان المؤذن يدعو منهما للصلاة سكان الحي وطلاب المؤسسة الداخليين في آن واحد، هما مدرسة الصفارين ومدرسة البوعنانية، وقد أشار عبدالهادي
التازي في كتابه «جامع القرويين» إلى قيام كل من المرابطين والموحدين بتأسيس المدارس، ومنها مدرسة الصابرين التي بناها يوسف بن تاشفين عندما دخل إلى فاس في منتصف القرن الخامس الهجري.
إن أمر المدارس المرينية الموجودة بفاس كان يشغلني كثيراً، كلما مررت أمام المدرسة المصباحية، القريبة من جامع القرويين، بل إن باب الخصة يفتح مباشرة، وذلك أن هذا الباب كان يستفزني ولا يزال بالرائحة الكريهة التي تنبعث منه، جراء الأوساخ التي تتراكم فيه من الواجهة الخارجية، نظراً لوجود أغلبها في وضعية حرجة تحتاج إلى إعادة إحيائها وترميمها وإصلاحها، لا سيما وأن البعض منها يقع في المثلث الذهبي التاريخي «مولاي إدريس، القرويين، وسيدي أحمد التيجاني» وهو من أهم المواقع التاريخية التي تضم أهم المواقع التاريخية والأثرية، والتي تحظى بالزيارة والاهتمام، من طرف السياح المغاربة والأجانب والباحثين والدارسين والمهتمين. وقد أردت أن أفتح عين القارئ على تاريخ المدارس بفاس لكي يكتشف بنفسه ماضيها التليد وحاضرها الذي يندب حظه بين انتظار الإصلاح وأيدي اللصوص التي تطال هذه المواقع الأثرية، لكي تباع عبارة عن قطع أثرية في بازارات المغرب وخارجه، من دون حسيب أو رقيب.
ازدادت أهمية مدينة فاس بعد ظهور معالم عمرانية تقوم بوظائف تدريس العلم وخاصة الفقه المالكي، وبرز أكثر الدور الوظيفي الذي قامت به المدارس التي كانت تجمع بين الطابع الاجتماعي والديني والثقافي، حيث تجتمع أغلبية المدارس بفاس بجوار الجامعين الرئيسيين بفاس القرويين والأندلس، ويذكر الحسن الوزان(1) أنه كان بفاس إحدى عشرة مدرسة للطلاب جيدة البناء كثيرة الزخرفة بالزليج والخشب المنقوش، وبعضها مبلط بالرخام وبالزخرف المايورقي، وتحتوي كل مدرسة على عدة حجر، في كل مدرسة مئة حجرة أو أكثر أو أقل، وكلها من تأسيس مختلف ملوك بني مرين، وكان تتميز بجودة البناء والسعة والجمالية والمرافق الضرورية من مراحيض وقاعة للصلاة، وفي كل مدرسة أساتذة لمختلف العلوم، فهذا يلقي درسه في الصباح، وذاك في المساء، ويتقاضون جميعاً مرتبات حسنة أوصى بها مؤسس المدرسة، وكان كل طالب من طلبة المدارس معفى من مصاريف لباسه مدة سبع سنوات. أغلبية المصادر لا تذكر أسماء المدارس الإحدى عشرة التي لم يذكرها الوزان في كتابه كاملة، واكتفى بالإشارة إلى بعضها، غير أن المصادر التي اهتمت بتاريخ مدينة فاس لم تذكر إلا ثماني مدارس، نوردها كالتالي: مدرسة الصفارين أو الحلفاويين، مدرسة الصهريج، مدرسة السبعيين، مدرسة العطارين، المدرسة المصباحية، المدرسة العنانية، مدرسة اللبادين، مدرسة فاس الجديد.
وتعتبر مدرسة الصفارين هي أقدم المدارس المرينية بفاس، أسسها السلطان يعقوب بن عبد الحق المريني وزودها بخزانة مهمة شملت الكتب العربية التي سلمها الدون «شونسو» للمرينيين سنة 686هـ/1285م، وتوجد بساحة الصفارين مقابلة لخزانة القرويين، وإذا كنا لا نعلم السنة التي تم فيها تأسيس هذه المدرسة، فإن المعتقد أنها بنيت قبل هذا التاريخ بزمن يسير، وتشير المصادر التاريخية إلى أن قبلة مسجد هذه المدرسة قد أثارت نقاشاً بين علماء فاس عند بنائها، رغم أنها أصح قبلة بمساجد فاس، وحالها اليوم أنها مغلقة على إثر حادث انهيار مسجد خناتة بنت بكار بمكناس سنة 2010 وتم إخلاء الطلبة منها، وكانت تؤوي بعضاً من الطلبة الذين يواصلون طلب العلم بجامع القرويين في الموسم الدراسي 2010-2009سس، من دون أن تباشر عملية الإصلاح. أما مدرسة الصهريج التي تأسست سنة 721هـ/1321م من قبل السلطان أبي الحسن الذي كان آنذاك ولي عهد أبيه أبي سعيد عثمان بن يوسف بن عبد الحق، وقد أسسها بجوار جامع الأندلس وهي مدرسة تتوفر على نقوش بديعة غاية في الجمال والدقة، يتوسطها صهريج ماء وبها العديد من الغرف التي كانت تؤوي الطلبة، والمرافق الصحية وقاعة للصلاة، توجد بالقرب من سقاية الياسمينة غير بعيد عن جامع الأندلس، حيث قيل إن مصاريف بنائها تُجاوز 100 ألف قطعة ذهبية(3)، وكانت هذه المدرسة أكثر سعة وزخرفة من سابقاتها، مؤلفة من بنايتين تحيط كل واحدة منها بصحن، أطلق عليها أولاً المدرسة الكبرى والمدرسة الصغرى، ثم سميت الأولى مدرسة الصهيرج لأن صهريجاً مربعاً يتوسط الصحن كله، ثم سميت الأخرى مدرسة السبعيين نسبة إلى القراءات السبع التي من المحتمل أنها كانت تدرس بها، وكانت هذه المدرسة في الواقع ملحقاً تابعاً لسابقتها، وقد وجدت بها حارساً يقوم بفتح بابها في وجه الزوار الأجانب والمغاربة مقابل تذكرة الدخول مخصصة من طرف وزارة الثقافة، غير أن المدرسة مهملة من الداخل، وقد عبثت بها أيدي الزائرين، إذ العديد من قطع الزليج منهوبة وبعض النقوش بدأت في الانمحاء والطمس جراء الإهمال، وتدخل بعض اللصوص من أجل سرقة بعض القطع الأثرية التي في متناول اليد، ومعظم بناياتها متداعية، وتتوفر على باب عتيق خشبي في حالة تستدعي الشفقة، وهي اليوم تحتاج إلى ترميم وإصلاح. وقد وجدت إشارة خفيفة في كتاب «فاس قبل الحماية» لمدرسة أخرى غير بعيدة عن مدرستي الصهريج والسبعيين تسمى مدرسة الوادي، وقد هدمها مولاي سليمان وأعاد بناءها على شكل مسجد، يحمل اسم مسجد الوادي أو مسجد الرنجة، بنفس الحي، وسميت كذلك لكونها واقعة على ضفة وادي مصمودة. ثم مدرسة الشراطين التي أسسها مولاي رشيد، وهي رشيقة واسعة بها بلية متوسطة الحجم وسط الفناء الداخلي وتتضمن العديد من الغرف التي كان يسكنها الطلبة، وقد تم ترميمها وفتح أبوابها في وجه السياح، ومدرسة باب عجيسة وينتمي تاريخ تأسيسها إلى سيدي محمد بن عبدالله في النصف الثاني من القرن الثامن عشر، وليس لها قيمة فنية تذكر.
المدرسة الأخرى وهي مدرسة العطارين، وتوجد عند مدخل سوق العطارين، التي أسسها أبو الحسن المريني بعد بناء مدرسة الصهريج سنة 723هـ/1323م، وهي ثالث أجمل مدرسة من بناء المرينين بعد المدرسة العنانية ومدرسة تلمسان بالجزائر، وهي اليوم تفتح في وجه السياح الأجانب بعد أن تم إصلاحها وترميمها. وغير بعيد عن هذه المدرسة أسس أبو الحسن المدرسة المصباحية سنة 732هـ/1332م، وهي مؤلفة من بنايتين متجاورتين تحيط كل واحدة منها بصحن وتتوفر على العديد من الغرف التي كانت تؤوي الطلبة، بالإضافة إلى المرافق الصحية وقاعتين للدرس والمراجعة والاستقبال، وسميت بالمصباحية نسبة إلى الفقيه المالكي أبو الضياء مصباح الياصلوتي المتوفى سنة 732هـ، على اعتباره أول مدرس بها حين تأسيسها، وقد جلب لها أبو الحسن من ألمرية الإسبانية بلية من الرخام الأبيض زنتها مئة قنطار(2) وثلاثة وأربعون قنطاراً، وسيقت من ألمرية إلى مدينة العرائش إلى أن طلعت بوادي قصر عبدالكريم عبر وادي سبو إلى أن وصلت إلى ملتقى وادي فاس، وجرها الناس إلى أن وصلت إلى مدرسة الصهريج التي بعدوة الأندلس، وثم نقلت منها بعد ذلك بأعوام إلى المدرسة المصباحية، والتي ستعرف فيما بعد بمدرسة الرخام نسبة إلى هذه البلية العظيمة والفاخرة، وهي الآن التي بوسط صحن المدرسة في حالة يرثى لها من كثرة الأوساخ والقاذورات والأتربة والهوام، وعندما دخلت المدرسة للزيارة وجدتها عبارة عن خربة منسية مدعمة بالخشب والحديد آيلة للسقوط، جل أسوارها عارية بعد أن سرقت جميع محتوياتها من نقوش وخشب ورخام وزليج ولوحات جبسية بديعة الرسم والزخرفة، ولم تسلم إلا البلية المذكورة لأنها ثقيلة الحجم، ووجدنا بها كثرة البوم والأفاعي والحشرات الضارة، ومعظم مدارجها التي تقود إلى الطابع العلوي في حالة خطرة، أما بابها من الخارج قرب سابط جامع القرويين، فهي نقطة سوداء ترمى بها الأوساخ كل يوم، وتحتاج إلى القفز على ركام الأوساخ للدخول إلى المدرسة التي لم يبق منها غير اللوحة التي تحمل اسم وتاريخ بنائها.
وهناك مدرسة أبي عنان التي أسسها السلطان المذكور في عدوة القرويين بالطالعة اللمطية، وكان لها بابان أحدهما في اتجاه الزقاق المذكور، والثاني يطل على الزقاق الذي يعرف في العصر المريني بحلق النعام، وتوجد بالمدينة مدارس مرينية أخرى لم تتحدث عنها المصادر التاريخية، ومن بينها مدرسة اللبادين، ويجهل تاريخ تشييدها واسم مؤسسها، ويدعو الإشعاع الخافت الذي كان لها إلى الاعتقاد بأنها كانت مدرسة متواضعة من الفترة الأولى، في موضع قريب من مدرسة الشراطين، كانت على شكل الهندسة المعمارية التي تتوفر عليها مدرسة الشراطين، ومن المحتمل أن تكون حسب رواية احتفظ بها بفاس، موقع عمارة بنك الدولة المغربية التي هي الآن دائرة الأمن بالقطانين، وقد دمرت بأمر من السلطان العلوي مولاي رشيد، لأن الطلاب دنسوها بالحياة الخليعة التي قضوها فيها، وقد كان مهجوراً مع بداية القرن العشرين. وفي سنة 720هـ/1320م أمر السلطان أبو سعيد عثمان بتشييد مدرسة أخرى بجوار الجامع الكبير بفاس الجديد، حيث كانت تلقن بعض الدروس الفقهية، ولكنها سرعان ما اتخذت اسم مدرسة فاس الجديد أو مدرسة دار المخزن، إذ لم تلبث أن ضمت إلى القصر. واختتم السلطان أبو عنان أخيراً سلسلة المدارس المرينية بفاس بتشييد المدرسة العظيمة التي تحمل اسم المدرسة البوعنانية أو العنانية، بحي الطالعة الكبرى القريبة جداً من القصبة المرابطية القديمة، والموحدية باب الجنود، وشيدت في الجانب الآخر قبالة الباب الرئيس للمدرسة، ساعة مائية عجيبة الصنع معلقة في الجدار، ولا تزال تشاهد بها الأعمدة الخشبية التي كانت بها النواقيس الثلاثة عشر من البرونز المركبة على دعامات من الخشب المنقوش، شُيّدت الساعة المائية في القرن الثالث عشر, كانت تعمل وفق نظام دقيق يجمع بين صبيب المياه وتحريك عقارب الساعة بواسطة حبال ينتج عنها سقوط كرة معدنية تحدد التوقيت. غير أنه رغم الدراسات التي أُنجزت والأبحاث التي استحضرت طرق تحريك الساعة المائية المنتصبة قبالة باب المدرسة البوعنانية التقليدية في زقاق الطالعة الكبرى في فاس العتيقة, فإن الرهان ما زال قائماً على إمكان معاودة دقّاتها في نهاية السنوات الثلاث المقبلة, أي بعد مرور أكثر من 750 سنة على إنشائها. إبان السنوات الأخيرة أنجز خبراء بريطانيون وفرنسيون وألمانيون أبحاثاً عن أسرار الساعة المائية وفق افتراضات حول نظام عملها من دون التوصل إلى فكّ ألغازها العلمية والتقنية، من الناحية الهندسية تحتوي البناية على قاعة للصلاة وساحة وأعمدة رخامية كلها غنية بزخارف كتابية ونقوشات بديعة تستدعي الوقوف عليها طويلاً من أجل تلمس جمالية الخطوط والفسيفساء الممهور بألوان باردة منسجمة، ولما زار أبو عنان المبنى الرسمي للمدرسة بعد انتهاء الأشغال وطلب سجل الحسابات، وكانت مرتفعة الكلفة، حيث مزق الوثيقة التي تتضمن الحسابات المالية للبناء، وألقى بها في النهر الذي يخترق المسجد والمدرسة، ثم أنشد هذا البيت لأحد الشعراء العرب:
لا بأس بالغالي إذا قيل حسن
ليس لما قرت به العين ثمن
لكن الناصري في كتاب «الاستقصا في تاريخ المغرب الأقصى»، يؤكد أن الأمر يتعلق بالسلطان أبي الحسن المريني لا بولده أبي عنان، وذلك على إثر إنشائه مدرسة الرخام المعروفة اليوم بالمدرسة المصباحية. والمدرسة البوعنانية من أجمل المدارس المرينية على الإطلاق وتتوفر على مسجد للصلاة وساحة بها، ويمكن القول بأن المدارس كانت تؤدي وظائف اجتماعية إذا استثنينا الدور التعليمي الرسمي الذي مارسته في حياة المدينة خلال المرحلة، حيث إن تعدد المدارس قد جلب للمدينة شهرة ساهمت في رسم أفقها وصيتها في الغرب الإسلامي إذاك، وقد وفد إليها عدد كبير من الطلبة والمتعلمين من مختلف أنحاء المغرب المريني، من أجل الدراسة والتعلم، بما كانت توفره لهم المدارس من ظروف الإقامة المتمثلة في السكن والمأكل والملبس، من خلال مداخيل الأوقاف والأحباس التي رصدت لهذه المساجد، إن تميز هذه المدارس بالقرب من جامع القرويين وجامع الأندلس كان الغرض منه أن يستفيد الطلبة من الدروس التي تلقى، وخارج إطار التوجه الرسمي الذي كان من بين نواياه التقليل من أهمية الجامع كمكان للإقراء والدرس، فإن تجمع المدارس حول المسجدين وحول الأسواق يأتي من منطلق آخر يبرر أهميتها كمؤسسات حضرية يستوجب تموضعها قرب مركز المدينة العلمية، توفرت المدارس على مرافق عديدة منها محاريب للصلاة ومراحيض وقاعة للمراجعة وأفنية للتجول والمذاكرة. وإذا استثنينا مدرسة البوعنانية والعطارين والشراطين، فإن المدارس الأخرى توجد في حالة كارثية تتطلب تدخلات عاجلة من أجل إنقاذ ما يمكن إنقاذه قبل أن تتفاقم الأمور، وتصاب باقي المنازل المجاورة لها بالتداعي، علماً أنها مدارس جديرة بالاهتمام، ويمكن أن تصبح قبلة للسياح تدر على خزينة وزارة الثقافة مداخيل مهمة، قد تساهم في عمليات الترميم والإصلاحات الطفيفة ومحاولة هيكلتها من جديد، علما أن مدارس الصهريج والسبعيين والمصباحية قد تعرضت جميعها للنهب والسرقة لأهم القطع الأثرية، مما خف وزنه وغلا ثمنه من قطع خشبية منقوش عليها آيات قرآنية بديعة الصنعة، وقطع جبسية قلت صنعتها في أي من المدارس الأخرى.
الهوامش:
(1) «وصف إفريقيا» للحسن بن محمد الوزان المعروف بجان ليون الإفريقي/ الجزء الأول، الصفحة 178 طبعة 1980.
(2) «جنى زهرة الآس في بناء مدينة فاس» لعلي الجزنائي، الطبعة الثانية، سنة 1991، ص 37.
(3) «فاس قبل الحماية» لروجي لوتورنو، طبعة سنة 1992، ص 106.
mokhtarat

mokhtarat

يتم التشغيل بواسطة Blogger.