جديد الموقع
recent

لا إصلاح ديني في غياب إصلاح جامع القرويين



يونس إمغران >> نشر في طنجة الأدبية يوم 22 - 06 - 2012
** لو استطلعنا آراء الناس في بلادنا عن جامع القرويين، لتوزعوا بين مذهبين لا ثالث لهما، مذهب – و هو الذي يشكل الأغلبية – لا يعرف هذا الجامع، و لم يقرأ عنه – خلال مرحلة تعليمه الإعدادي - إلا شيئا يسيرا من تاريخه و دوره الحضاري البائد، و لا يعلم مصيره اليوم، و مذهب ثان – و يشكل أقلية لا بأس بها – يرى أن هذا الجامع مجرد بناية و معلمة تاريخية لا دور لها اليوم، سوى استقطاب الزوار من المغاربة، و السياح الأجانب. 
و لكن هناك من يعرف و يعلم و يدرك أن جامع القرويين مازال يؤدي دوره في التدريس و التعليم و التربية الدينية إلى يومنا الحاضر، غير أن هؤلاء ممن لهم معرفة بذلك، لا يشكلون في واقع الأمر و حقيقته، إلا فئة قليلة جدا لا تتجاوز أصبعي الإبهام و السبابة، و من ثمة يصعب علينا أن نعتبرهم مذهبا ثالثا.
لقد ارتأى المسؤولون المغاربة السياسيون – و ليس غيرهم إطلاقا – أن ينشئوا مرافق تعليمية تابعة لجامع القرويين ببعض المدن المغربية، فكانت كلية أصول الدين بتطوان، و كلية الشريعة بفاس و أكادير، و كلية اللغة العربية بمراكش، في حين حرصوا على أن يظل جامع القرويين المركز بفاس على سجيته التاريخية القديمة و النمطية، كما راهنوا بالمقابل على أن يبقى دور هذا الجامع محدودا في حياة المغاربة، دون أي تأثير أو قدرة على توجيه الناس في أمورهم الدينية و الدنيوية.
و الدراسة بالمرافق التعليمية للجامع المشار إليها أعلاه، تعد من أبشع صور التعليم في بلادنا، فمنتوج هذه المرافق بئيس و عتيق و تقليدي و جامد و راكد و متعفن و لا ينفع في شيء، أضف إلى ذلك أن الولوج إلى هذه المرافق لمتابعة التحصيل " العلمي " سهل و ميسر و مشرع الأبواب لكل من هب و دب من أنصاف العقول، و الراسخين في الجهل، و المحاربين للاستنارة و النبوغ، و الهاربين من نعم التفكير و النظر و التأمل المنتج.
بل يكفي أن يطلع المرء على كشوفات النقط لأغلب طلبة و طالبات هذه الكليات قبل الولوج إليها، ليقف على حجم المصيبة التي ابتلي بها التعليم في بلادنا.. بمعنى أن الهروب من الكليات و المعاهد الأخرى يقود بالضرورة إلى الاحتماء بمرافق جامع القرويين التعليمية التي باتت تشكل مأمنا لهم و استجارة ( استغاثة به ).
و الواقع أن حاجتنا ملحة و عاجلة لتطوير تعليمنا الديني، و إلحاقه بمتغيرات العصر التربوية و البيداغوجية، على اعتبار أن الإصرار على ترك برامجنا التعليمة بكليات جامع القرويين على حالها اليوم، و كما هي، رديئة و قديمة و ساكنة و متحجرة و بعيدة عن فقه العصر و حركيته، هو إصرار مدفوع من طرف إرادة سياسية تحارب بقوة أي تحصيل علمي يستند إلى شرعية دينية.
نحن لسنا ضد تعليم ألفية بن مالك أو لا ألفية بن عاشر و لا ألفية العراقي و لا المنظومة البيقونية، و لا يزعجنا أن نطيل النظر و التفكير في سنن الترمذي و لا ابن ماجة و لا أبي داود، و لا يحزننا الانكباب على دراسة تفاسير الطبري و القرطبي و ابن كثر و جلال الدين السيوطي.. و لكن يحز في أنفسنا أن نحرم أبناءنا و طلبة علمنا من ثمار المعرفة الحديثة، و علوم العصر، و أسباب التقدم و النهوض و الحضارة.. كما يقلقنا أن لا نجدد منهجية دراسة أحاديث نبينا الشريفة، و تفاسير قرآننا العظيم، و سير صحابتنا الكرام و قادتنا الذين صنعوا تاريخنا المشرق بأفكارهم الجبارة، و بطولاتهم المغوارة، و دمائهم الزكية.
بيد أن الحاجة قوية إلى إعادة الاعتبار لجامع القرويين الذي لا يؤدي أي دور في حياتنا اليوم، في الوقت الذي نجد فيه صنوه جامع الأزهر الشريف بمصر يكاد يوجه الحياة الدينية و يصنع مجمل ملامحها في كل أقطار عالمنا العربي و الإسلامي.. علما أن جامع القرويين أقدم منه، و أقرب منه إلى حضارة الغرب و مناهجه الرائدة في العلوم الإنسانية و الاجتماعية.
و السؤال الذي تتولد عنه عشرات الأسئلة، هو لماذا يصر البعض على أن يظل هذا الجامع محصورا في تعليم نواقض الوضوء، و شروط التيمم، و كيفية الآذان ؟
لماذا نرفض تنصيب هذا الجامع منارة للمذهب المالكي، و مرجعا دينيا في العقيدة و الشريعة و التصوف ؟
لماذا لا نجعل لهذا الجامع شيخا و إماما أكبر، يعفينا من اللجوء إلى الاقتباس من فهم إخواننا المشارقة للدين الإسلامي و فلسفته ؟ و بالتالي إلى الاقتداء بفتاواهم و مواقفهم و قراءاتهم للنصوص الدينية ؟
لماذا يريدون الإبقاء على جامع القرويين معلمة تاريخية و سياحية ؟.

و الخلاصة، هي أنه لا إصلاح للخطاب الديني و تجديده، و لا هيكلة فاعلة للحقل الديني و ترشيده، و لا عقلة لعلاقة الدين بالمجتمع المغربي، إلا بإصلاح جامع القرويين، و رد الاعتبار إليه، و تمكينه من العودة إلى العمل في حياتنا وفق آليات العصر الحديث، و جهاز مفاهيمه المتطور و المتفاعل مع المستجدات العلمية و الاجتماعية و الثقافية و الحضارية لعصرنا الراهن. 
mokhtarat

mokhtarat

يتم التشغيل بواسطة Blogger.