جديد الموقع
recent

جامع القرويين بين الماضي والحاضر

ذ : عبد الوهاب العمراني 

يعد جامع القرويين الذي أسسته فاطمة الفهرية رحمها الله أقدم جامعة عرفتها البشرية على مر التاريخ، وهذا فخر للمغاربة والعرب والمسلمين ينبغي أن يعتزوا به وأن يولوا هذا المسجد وهذه الجامعة كل الاهتمام والتقدير .
وهنا نسوق شهادة للمستشرق الروسي جوزي كريستوفيتش الذي يقول :
" إن أقدم مدرسة كلية في العالم أنشئت لا في أوروبا كما قد يظن ، بل في إفريقية في مدينة فاس عاصمة بلاد المغرب سابقا، إذ قد تحقق بالشواهد التاريخية أن هذه المدرسة كانت تدعى كلية القيروان . - يقصد جامع القرويين- وقد أسست في الجيل التاسع للميلاد، وعليه فهي ليست فقط أقدم كليات العالم ، بل هي الكلية الوحيدة التي كانت تتلقى فيها الطلبة العلوم السامية في تلك الأزمنة حينما لم يكن سكان باريز وأكسفورد وبارو وبولونيا يعرفون من الكليات إلا الاسم ". جامع القرويين للدكتور عبد الهادي التازي ج 1 ص 115 .
وقد تلقى العلوم في هذه الجامعة علماء كبار كابن خلدون الذي مازال بيته الذي كان يسكن فيه موجودا في المدينة العتيقة في فاس، كما تلقى علمه فيها البابا سيلفيستر الذي كان أول من أدخل الأعداد العربية إلى أوروبا وغيرهم كثير .
هذا الجامع الذي تخرج منه المجتهدون الكبار والعلماء الأفذاذ والأدباء الفحول والحكام العظام هو الذي يحافظ على هوية الأمة وتاريخها وحضارتها ، وهو المحافظ على ثوابت الأمة والضامن لاستقرارها وأمنها ووحدتها، بل هو مبدأ الارتكاز للحياة الفكرية في المغرب كما يقول العلامة عبد الله كنون رحمه الله : "ولما كانت المساجد في المجتمع الإسلامي تؤدي مهمتين ، مهمة دينية ومهمة ثقافية إذ تلقى في أروقتها دروس في مختلف العلوم والفنون فإنا نعتقد أن جامع القرويين منذ إنشائه كان مبدأ الارتكاز للحياة الفكرية في المغرب بالرغم من وجود مساجد أخرى سابقة له في فاس وغيرها ولا أدل على ذلك من أن كبار علماء المغرب الذين عرفناهم إنما نبغوا بعد التاريخ الذي شيد فيه ذلك المسجد". النبوغ المغربي في الأدب العربي ج1 ص 47 .
والكل يعرف الدور الكبير الذي قام به في محاربة المستعمر الفرنسي والوقوف في وجهه، منه خرجت المظاهرات التي تدعوا المغاربة إلى الجهاد لاسترجاع كرامة الأمة المغربية، حتى كان الفرنسيون المحتلون يسمونه البيت المظلم. 
وقال عنه الجنرال الفرنسي اليوطي : لا استقرار لنا في المغرب إلا بالقضاء على هذا البيت المظلم .
وقام المحتل بمحاصرة هذا المسجد ومعاقبة علمائه على الوقوف ضده، فمنهم من سجن وعذب، ومنهم من فرضت عليه الإقامة الجبرية في بيته، والتاريخ يشهد بذلك. ورغم ذلك بقي هذا المسجد صامدا لم تنقطع فيه الدراسة، يؤمه الطلبة من كل مكان ويتخرج منه العلماء عبر السنين، إلى أن جاءت فترة حالكة سوداء مر بها هذا الجامع بعد خروج المستعمر وبعد حصول المغرب على الاستقلال .
وهذا ما يحير العقلاء ويدعوا إلى التحسر ويحز في النفس، فالمفروض بعد خروج المستعمر أن يعطى هذا الجامع ما يستحقه من التقدير والرعاية ويعود إلى سابق عهده أو أحسن من ذلك .
استمر يؤدي وظيفته العلمية لأكثر من أحد عشر قرنا، إلى أن توقفت الدراسة فيه لأول مرة في بداية الستينات من القرن العشرين، وبقي فارغا من الطلاب والمدرسين لمدة ثلاثين سنة .
بقي فارغا إلا من بعض المصلين، وأصبح يرتاده من أراد أن يستريح من تعب العمل ليقضي فيه قسطا من النوم ، أو يأخذ منه بعض الصور كمكان للسياحة والاطلاع على التراث القديم ، وأمه المختلون عقليا حيث لم يجدوا مكانا يأوون إليه، وكنت ترى فيه مظاهر مخلة بالحياء كدخول بعض النساء بلباس غير لائق، وفي أحيان أخرى ترى فيه بعض السائحين الغربيين وهم يتجولون داخله ويلتقطون الصور، فأصبح مرتعا لكل المظاهر التي تحط من قدره .
وقد ذكر العلامة محمد بن أحمد ميارة رحمه الله والذي عاش في القرن الحادي عشر الهجري حال القرويين في عهده، واستنكر بعض المظاهر التي كانت سائدة حينئذ داخله قائلا : "وذلك أنه لا تبقى كهلة ولا شابة إلا وأخذت أهبتها مما في وسعها من حللها وحليها وحضرت المسجد بعد العصر من ليلة سبع وعشرين، ولا يبقى في البلد فتى ولا شاب إلا وحضر ذلك المجمع ويبيتون ليلتهم كذلك، وفريق من الناس يصلون وفريق فيما شاء من الصياح، وفريق من التمتع بالنظر ويرون ذلك تبركاً بالليلة المباركة، وما هي إلا كما قال الحريري عام هياط ومياط،فهي ليلة هياط ومياط ". الدر الثمين والمورد المعين لمحمد بن أحمد ميارة ج 2 ص 216 .
وإذا كان الشيخ ميارة استنكر ما كان يقع في عصره في جامع القرويين وهي مظاهر لا ترقى إلى ما وقع فيه في عصرنا فماذا نقول نحن؟ 
استمر جامع القرويين على هذه الحال إلى أن عادت الروح إليه باقتراح من وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية الدكتور عبد الكبير العلوي المدغري حيث اقترح على جلالة الملك الحسن الثاني رحمه الله إعادة الدراسة في جامع القرويين، فوافق وأعطى أوامره بإحياء الدراسة فيه وإعادته إلى سابق عهده ، وذلك في يوم 21 ربيع الثاني 1409 ھ الموافق ل 2 دجنبر 1988 م وتم الافتتاح ب 150 طالبا بعد أن أجري لهم اختبار في حفظ القرآن وحفظ بعض المتون العلمية، وانبرى لهذه المهمة الجليلة عدد كبير من علماء القرويين الكبار الذين يتمتعون بعلم غزير وحيوية كبيرة وشوق إلى الماضي المجيد، فشمروا على ساعد الجد وقاموا بالواجب أحسن قيام رغم المقابل المادي الزهيد الذي كانوا يتلقونه، والصعوبات التي واجهتهم، وكان طلبة القرويين كذلك في مستوى الحدث فواظبوا على التلقي والتعلم لمدة 13 سنة، رغم أنهم كانوا يعيشون ظروفا أقل ما يقال عنها أنها سيئة، ولا تساعد على تلقي العلم لعدم توفر الوسائل المساعدة على الدراسة والمبلغ الزهيد الذي كانوا يتلقونه آخر كل شهر والذي لا يسمن ولا يغني من جوع ، وعدم وجود قوانين تنظم هذا التعليم وتبين مصير المتخرجين منه، ونوع الشواهد التي سيحصلون عليها، مما أثر على نفسيتهم طيلة هذه السنوات، وانقطع عن الدراسة عدد كبير منهم، ولم يستمر إلى آخر النفق إلا عدد قليل جدا، فقد كان الفوج الأول يتكون من 150 طالبا وبعد ثلاث سنوات التحق بهذا الجامع 150 طالبا آخر ثم توالت الأفواج الأخرى .
قضى الفوج الأول 12 سنة تخرج في الدورة الأولى منه 15 عالما فقط، ثم التحق بهم 13 عالما في الدورة الثانية .
فكان مجموع المتخرجين في الدورتين الأولى والثانية 28 عالما فقط من 150 طالبا، وهذا يبين الحالة التي كان الطلبة يواصلون فيها دراستهم والظروف التي كانوا عليها، وعدم وجود محفزات وإجراءات تساعد على مواصلة المسير إلى التخرج .
كما تخرج من الفوج الثاني الذي كان يتكون من 150 طالبا عدد قليل من العلماء كذلك بعد أن قضوا 13 سنة بعد صدور القانون المنظم للتعليم العتيق والذي يلزم طلبة القرويين بقضاء 4 سنوات في الطور النهائي أسوة بغيرهم في التعليم الجامعي العمومي.
صدر قانون رقم 01, 13 المنظم للتعليم العتيق وتم تغيير البرامج والمقررات التي كانت سائدة لقرون طويلة،وتم إدخال بعض مواد التعليم العمومي، وقلصت حصص المواد الشرعية، ثم جاء تعديل آخر زاد المواد الشرعية تقليصا، وأضاف مواد أخرى تشمل بعض اللغات الأجنبية والمواد القانونية ونحوها، وكان لهذا التعديل الأخير تأثير كبير على خصوصية القرويين والتي كانت تركز على المواد الشرعية ولا تغفل العلوم العصرية. وتمت معادلة شهادة العالمية التي كان يحصل عليها المتخرجون من جامع القرويين بالإجازة، وهذه قاصمة الظهر وطعنة رمح في خاصرة القرويين، فهل من العدل أن تعادل العالمية في جامع القرويين بالإجازة، وهل يكون مستوى الطالب الذي درس لسنوات في التعليم العمومي كما هو حال أغلب طلبة القرويين، ثم حفظ القرآن الكريم لسنوات عدة، وحفظ كثيرا من المتون، ثم التحق بجامع القرويين وقضى فيه 12 سنة أو 13 سنة من الجد والتحصيل، هل يكون حاله ومستواه كحال ومستوى من حصل على الإجازة في التعليم العمومي ؟؟ وقد جاء في الفصل الثامن من الظهير الملكي المؤرخ في 10 ذي الحجة 1351 ھ الموافق ل 31 مارس 1933 م أن المتخرجين من جامع القرويين يتولون مهام التدريس بنفس الجامع ومهام القضاء في مختلف مدن المملكة المغربية .
كان الشروع في الدراسة بجامع القرويين وإعادة الحياة إليه من جديد خطوة جريئة وصائبة، وفي وقت مناسب جدا باعتبار أن علماء القرويين الذين أخذوا المشعل واعتلوا كراسي العلم بجامع القرويين من جديد، كانوا في أغلبهم من كبار السن ، وكان جامع القرويين يفقد كل سنة ثلة من هؤلاء العلماء الأجلاء رحمهم الله رحمة واسعة وأطال في عمر الباقين منهم – وآخرهم شيخ الجماعة المحقق المدقق المجتهد العلامة محمد التاويل رحمه الله - فكان تخرج أفواج جديدة من العلماء الشباب بمثابة ربط للحاضر بالماضي وبقاء السلسلة موصولة والسند متصلا . 
بعد تخرج هذه الفئة من العلماء الشباب لم يتم الاستفادة منهم وتم توظيفهم بطريقة لا تراعي خصوصيتهم ومستواهم العلمي والمكان المناسب الذي ينبغي أن يكونوا فيه، فتم تعيينهم في المندوبيات الجهوية والإقليمية للشؤون الإسلامية والنظارات والمجالس العلمية موظفين عاديين، وبعضهم تخرجوا من معهد تكوين الأئمة والمرشدين والمرشدات بالرباط وتم تعيينهم مرشدين ومؤطرين، حيث انقطعت صلة هؤلاء جميعا بما تعلموه ودرسوه في مدة طويلة، وقد التقيت مرة بأحد العلماء النجباء المتخرجين من جامع القرويين والذي عين موظفا في إحدى الإدارات فقال لي بالحرف لقد انقطعنا عن العلوم التي تعلمناها في جامع القرويين لمدة طويلة وكدنا أن نصبح أميين فيها ، ولهذا ينبغي تصحيح هذا الوضع وإعادة المياه إلى مجاريها، فالمكان المناسب لهذه الفئة هو معاهد التعليم العتيق مدرسين للعلوم الشرعية، فهم الأقدر على ذلك وهم الذين هيئوا لهذه المهمة أساسا لا غير، والحال أن معاهد العلوم الشرعية انتشرت في جل المدن المغربية وهي محتاجة لمثل هؤلاء العلماء.
وقد أنشأت وزارة الأوقاف مؤخرا معهدا شرعيا في مدينة فاس باسم معهد فاطمة الفهرية يكون بديلا عن جامع القرويين حيث تم نقل جل طلبة القرويين للدراسة في هذا المعهد، ورجع الجامع العريق يستقبل طلبة المستوى النهائي فقط - هذا إذا لم تكن هناك نية لنقلهم أيضا أسوة بغيرهم وإفراغ المسجد بالكلية من طلبته - ومسجدا يؤمه المصلون، وإذا كانت الوزارة اتخذت هذا القرار فالمرجو منها أن تراجعه وأن يبقى جامع القرويين عامرا بطلبته في جميع مستوياته التعليمية وألا تكرر أخطاء سابقة حصلت من قبل تم فيها نقل طلبة القرويين إلى أماكن أخرى حيث أصبحت هذه الأماكن بمثابة مؤسسة للتعليم العمومي، وإذا كانت الوزارة اتخذت هذا القرار فهناك طلبة كثيرون يبحثون عن معاهد يتعلمون فيها العلوم الشرعية يمكن أن يسجلوا في جامع القرويين ويتابعوا دراستهم فيه، ويبقى هذا الجامع عامرا شامخا تدرس فيه العلوم الشرعية بجميع المستويات ابتدائية وإعدادية وثانوية ونهائية ولم لا تضاف إلى ذلك مستويات عليا كالماستر والدكتوراه ويبقى جامعنا وجامعتنا يخرج أفواجا تلو أفواج من العلماء، والحال أن ملك البلاد محمدا السادس حفظه الله قد أعطى أمره بإعادة ترميم المدارس العتيقة بمدينة فاس والتي يسكن فيها طلبة القرويين،هذه المدارس التي حبسها أهلها من أجل طلبة العلم والحفاظ على ثوابت الأمة.
mokhtarat

mokhtarat

يتم التشغيل بواسطة Blogger.