جديد الموقع
recent

كتاب في صميم إصلاح التعليم الجامعي: كي تعود القرويين أم الجامعات المغربية

الصديق بوعلام | نشر في العلم يوم 07 - 11 - 2014
قال المؤرخ ابن جزي المتوفى سنة 757ه مادحا جامعة القرويين العتيدة: 
" إنها مطمح الآمال، ومسرح همم الرجال، ومحط رحال الفضائل، ومثابة أمن الخائف ومنية السائل... انثال عليها العلماء انثيال جودها على الصفاة، وتسابق إليها الأدباء تسابق عزماتها إلى العدات، فهي القطب الذي عليه مدارالعالم، وفي القطع بتفضيلها تساوت بديهة عهد الجاهل والعالم".
وقال المستشرق الروسي جوزي كريستوفيتش:"إن أقدم مدرسة كلية في العالم ليست في أوربا كما يظن، بل في إفريقيا في مدينة فاس عاصمة المغرب".
وقال سليم حيدرسفيرلبنان بالمغرب:"لقد أدت القرويين، في مراحل حياتها الطويلة المشرفة، رسالتها الوطنية بشكل رائع واليوم يرجى لها أن تساهم في أداء رسالة إنسانية شاملة".
هذه بعض الشهادات التي مهد بها الدكتوريوسف الكتاني لفصول كتابه "كي تعود القرويين أم الجامعات المغربية" الصادرعن دارعكاظ في الرباط سنة 2005.
والحقيقة أن مجلدات عديدة لاتكفي لتسجيل ما أثلته هذه الجامعة الخالدة عبرالتاريخ، فهي مفخرة المغرب على مرالعصور، وقد خصها كثيرمن الكتاب بدراسات ومؤلفات، ومنها هذا الكتاب الذي تضمن مشروعا إصلاحيا رائدا له راهنيته وصلاحيته الدائمة، لاسيما في ظل محاولة الإصلاح التي تنصب هذه الأيام على أوضاعنا التعليمية، ولذا أوصي المجلس الوطني للتربية والتكوين الذي ينكب أعضاؤه على إعداد خطة لإصلاح التعليم في المغرب بكل مستوياته وأسلاكه، أن يأخذ ما تضمنه كتاب الدكتوريوسف الكتاني "كي تعود القرويين أم الجامعات المغربية" بعين الاعتبارلعدة مميزات تجعل منه مهادا حقيقيا للإصلاح المطلوب.
لقد كانت جامعة القرويين عبرالتاريخ الإسلامي في بلادنا مركزالإشعاع العلمي لاعلى الغرب الإسلامي فقط بل على العالم الإسلامي كله. وبفضل هذا الإشعاع كان المغرب في الصدارة علما وحضارة، لكن بمجرد ما تكالبت عوادي الإجحاف والإهمال على هذه الجامعة العتيدة لوحظ التراجع الكبيرفي مستوى التعليم المغربي، وتفاقمت مشكلاته إلى أن وصل إلى هذا الدرك الذي استدعى تأسيس المجلس المشارإليه عساه ينقل تعليمنا من ذلك المستوى إلى سموقه المعهود عبرالتاريخ. وما أحسبه قادرا على ذلك إلا إذا استرشد بمثل هذه الدراسة العميقة التي أنجزها الدكتوريوسف الكتاني منذ عشرة أعوام، وقد درس ذ.الكتاني بجامعة القرويين أزيد من أربعين سنة وهي تجربة حافلة تمكنه من معرفة نقاط القوة ومكامن الضعف في تعليمنا عن كثب وتمكنه لذلك من تقديم مشروع إصلاحي يستحق الاعتماد.
يصف المؤلف تخلي بلادنا عن جامعة القرويين بقوله:"وقد كان من آكد واجبات أمتنا وحكومتنا بعد الاستقلال، أن يعود هذا الصرح الخالد إلى سابق مجده، وإلى قوته وإشعاعه، كما ظل طوال تاريخنا، وأن ينطلق قويا معطاء موجها بعد تحررنا وفك أغلالنا، غيرأن أشعة الحرية والتقليد بهرت أعيننا، فتحول الاتجاه عنها، وأعرضنا عن إصلاحها وتجديدها، وتقويتها ورفعة شأنها، وانطلقنا نؤسس الجامعات والمؤسسات العلمية التي لم تملأ مكانها، ولاتقوى قوتها، ولاتحقق ما حققته القرويين في حياتنا من أمجاد وانتصارات، وتقدم ورقي، وتركناها تنتظرجامدة خامدة، إلى أن غدت ضعيفة البنيان، مضعضعة الأركان، تندب حظها، وتشكونكران جميل أبنائها وأهلها"(ص8).
قسم المؤلف هذا الكتاب إلى ثلاثة أبواب، تحدث في الباب الأول منها عن جامعة القرويين ودورها في التواصل العلمي عبرالتاريخ، وهنا ذكرثلة ونماذج من العلماء الواردين عليها والراحلين منها، باعتبارها جامعة عالمية رائدة، مع ذكربعض الخصائص والمزايا، وشهادات علماء من المغرب العربي.
وتناول في الباب الثاني موضوع إصلاح جامعة القرويين وتطويرها، مذكرا في البدء بالماضي المؤهل لجامعة متطورة، مستعرضا بعد ذلك أوضاع حاضرجامعة القرويين، باسطا في النهاية مراحل الإصلاح والتطوير، ومراحل التجديد والإضافة.
ولم يغفل المؤلف الحديث عن علاقة جامعة القرويين مع محيطها، وذلك هوموضوع الباب الثالث، حيث حلل فيه العلاقة مع المحيط الداخلي، ومع المحيط الخارجي، على السواء، خاتما بحثه الرصين بفصل بعنوان"لكي يحقق إصلاح القرويين وتطويرها أهدافه".
هذا مجمل الموضوعات التي تطرق إليها الدكتوريوسف الكتاني بأسلوبه السلس الواضح البليغ، ولئن كان من الصعب استخلاص كل تفاصيل هذه الموضوعات، فإننا نكتفي بالتركيزعلى المشروع الإصلاحي الذي يقترحه المؤلف عسى أن يجد آذانا صاغية. يقول مثلا عن الأسس والمبادئ التي ينبغي أن يقوم عليها إصلاح وتطويرجامعة القرويين:"حتى تخرج جامعة القرويين من القوقعة التي حشرت فيها، والقميص الضيق الذي ألبسته فقيد حركتها، لابد من إعادة صياغة مناهجها على هدى ميثاق التربية والتكوين، وبناء على الأسس والمبادئ التالية، كي يستجيب لكل تطويروتحديث وإصلاح.
1 أن تصبح كما كانت منذ تأسيسها حصنا للإسلام، ومنبعا للحضارة والتجديد، ومنارا للاجتهاد والابتكاروالتفوق، فيها يتجلى جوهرالدين وفيها يتجدد، ومنها تنبع المعرفة والعلم وينتشران.
2 أن تكون مؤسسة لحفظ التراث الإسلامي وبعثه وتحقيقه ونشره، وبعث الحضارة الإسلامية والتراث العلمي والفكري والروحي للأمة.
وذلك باعتماد أحدث الطرق التربوية والتواصلية، القائمة على روح التسامح والحوار، والمجادلة بالتي هي أحسن.
3 أن تعود جامعة شاملة لعلوم الدنيا والدين كما كانت منذ تأسيسها، وفي سائرعهودها إلى ماقبل الاستعمار.
بالإضافة إلى قيامها بالدورالعلمي الذي سيناط بها كمؤسسة جامعية مفتوحة، لاترفض إيجابيات التقدم التكنولوجي، والمعلوماتي، والتواصلي.
4 وضع مناهج جديدة لمقرراتها الدراسية تتفق مع أهدافها وتاريخها، وتحقق تخريج علماء أقوياء أكفاء، مجددين متفوقين، كما كان شأن خريجيها في أزهى عهودها علما وإصلاحا، ريادة وقيادة، بما يجعلهم مراجع للدين، ومشاعل للتجديد، ووسائل للتأثيروالتطوير، يربطون الدين بالحياة، والعلم بالإيمان، والعقيدة بالسلوك، مما يفرض إعادة النظرفي برامج المؤسسات الجامعية التابعة لها، باعتماد كل الأساليب العصرية التي أصبحت معتمدة في كبريات الجامعات العالمية، الأمرالذي يفرض على خريجي هذه المؤسسات أن يكونوا ملمين باللغات الأجنبية العالمية، قادرين على التحدث والتبليغ بها، ونهج أسلوب الحوار بواسطة هذه اللغات، لتقريب فهم ما يزخربه التراث الإسلامي لغيرالناطقين باللغة العربية.
بالإضافة إلى أن الأساتذة الباحثين، والعاملين بها، سيكون عليهم النظرفي تطويرأساليب ومنهجية الدراسة، والبحث العلمي، مما يجعل من مؤلفاتهم مراجع مهمة ستفرض نفسها (بعد أن يكون بمقدورطلبتهم أن يترجموا منشورات أساتذتهم في ميدان الإنتاج الفكري، والفقهي، والديني، والأدبي).
مناهج تحقق خروج جامعة القرويين من إطارها الضيق القاصرعلى أربع كليات، إلى فضاء أرحب واسع يجعل منها جامعة شاملة لعلوم الدين والدنيا كما كانت وتأسست، وتضم الكليات العلمية والتكنولوجية إلى جانب الكليات الشرعية والأدبية، وتعطي المغرب نماذج رائدة هوفي مسيس الحاجة إليها كابن رشد، وابن باجة، وابن خلدون، وابن طفيل، وابن سينا، وابن العربي وسواهم.
ولماذا لاتلحق كليات الطب، والآداب والمدرسة العليا للتكنولوجيا، بجامعة القرويين؟ على اعتبارها مؤسسات موجودة في الفضاء الجامعي فاس سايس في إطارسياسة الجهة التي نص عليها الدستورواعتمدتها سياسة الدولة، مع العلم أنه يمكن أن تضم إليها مستقبلا مؤسسات أخرى ككليات الهندسة، والزراعة، والتجارة وغيرها سواء كانت بفاس أوبمدن أخرى.
5 قيام مناهجها على المنهج العلمي الإسلامي الأصيل، القائم على البحث والاستقصاء، والتجديد والاجتهاد، وهوالمنهج العقلاني الإيماني الذي أجدى على أمتنا في أزهى عصورها، وحقق لها نهضتها، وحضارة أجدت علينا وعلى الإنسانية كلها إنجازات علمية فذة، مما يقتضي إعادة النظرفي طرق التعليم والتحصيل، حتى لايبقى الطالب مجرد مستهلك للمعلومات المقدمة له، ويصبح بالتالي قادرا على المناقشة والتحليل والاستنباط، ما يجعله أداة لتطويرالبحث العلمي بجانب أساتذته، الأمرالذي سيرفع من القيمة العلمية للبحوث والرسائل والأطروحات الجامعية، التي يتعين تلخيص أجودها وأحسنها إلى لغات أخرى، وطبعها، من أجل التبادل بين المؤسسات الجامعية الوطنية والأجنبية.
6 فتح الجسورالعلمية والثقافية بينها وبين الجامعات والمؤسسات العربية، والإسلامية والإفريقية والعالمية، تحقيقا لرسالتها وأهدافها، كي تستعيد بلادنا دورها الفاعل المتميزكما سجل ذلك جلالة المغفورله الحسن الثاني بقوله:" إن فتوحاتنا العلمية فاقت فتوحاتنا السياسية"(ص63 65).
يتضمن الكتاب خطة رائدة لإصلاح التعليم الجامعي انطلاقا من إصلاح القرويين التي شخص المؤلف مظاهرنقصها وضعفها في الحاضرواقترح الحلول والبرامج التي من شأنها أن تحقق نهضتها المستقبلية. 




mokhtarat

mokhtarat

يتم التشغيل بواسطة Blogger.