جديد الموقع
recent

علماء القرويين



القرويين منذ أسست طيلة أحد عشر قرنا، ولسنوات خلت كان يدرس فيها جميع العلوم الإسلامية؛ من قرآن، وتفسير، وحديث، وفقه، وأصول، وتصوف، وسيرة، ولغة، وأدب، وتاريخ، وجغرافيا، وطب، وهندسة وفلسفة، وفنون، وما يمت إلى هذه العلوم بسبب . 
كان يدرس فيها علوم الدين، كما تدرس علوم الدنيا، ويجمع النوعين كلمة العلوم الإسلامية، والإسلام بطبيعته دين ودنيا، فإذا حاول أحد أن يفصل دينا عن دنيا، أو دنيا عن دين، فليعط لذلك أي اسم شاء، إلا اسم الإسلام!، فكما أن اسم الإنسان علم عليه بجسده وروحه ما دام حيا، فإذا مات؛ قيل عن جسده : جثة ، وقيل عن الحياة التي كانت تحرك الجثة: روح. فيقال إذ ذاك: روح فلان، وجثة فلان . 
فمن وصف العلوم الإسلامية: بالروحية فقط، أو بالدينية فقط ؛ فقد قتل الإسلام وعلومه، وجعل منه جثة لا تصلح لشيء إلا للدفن، وجعل مما سماه علوما روحية، شيئا غامضا غموض الروح. ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلا . ] الإسراء : 85 [. 
فالعلوم الإسلامية دعوة للحياة والمادة، كما هي دعوة للآخرة والروح، يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم . ] الأنفال : 24 [ . والعلوم الإسلامية تعمل لنصر الإنسان في الدنيا أولا، ثم لنصره في الدين ثانيا، إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد. ] غافر : 51 [ . بل العلوم الإسلامية تهيب بالإنسان أن لا يترك الدنيا وينساها، وابتغ فيما أتاك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا. ] القصص : 77 [ . 
وجامعة القرويين بعلومها الإسلامية الدينية والدنيوية معا، ليست بدعا بين الجامعات الإسلامية الأخرى ؛ كالزيتونة، والأزهر، والنجف ... ونظيراتها في باكستان والهند، وبقية العالم الإسلامي، فكلها كان فيها من العلوم المشتركة بين الدين والدنيا ما كان في القرويين، وكلها كان فيها من علماء الدنيا والدين ما كان في القرويين. 
وإنما تغيرت دنيا الإسلام، وإنما بدلت دنيا المسلمين، يوم غزتها الصليبية الثانية، يوم غزتهم أوربا في العصر الحديث، فلم تقنع الصليبية المستكلبة باستعمار الأرض واحتلالها؛ لأنها علمت من التاريخ أنه ما من قوي إلا ومآله إلى الضعف، وما من أرض احتلت إلا ومآل مستعمريها إلى الجلاء والطرد، فراحت الصليبية لذلك تغزو العقول والقلوب، ولم تجد طريقا أسلم للوصول إلى غزو الإسلام واستعماره من احتلال القلوب والعقول. 
ومنذ الحرب العالمية الأولى؛ شرعت أوربا في غزو المدارس والمحاكم، ثم شرعت في غزو الآداب والعادات، باسم المدنية والتقدمية والترقي، وما إليها من شعارات كاذبة مزيفة. ولكيلا تتدخل – في زعمها – في الدين، فصلت الدين عن الدولة، لتخرج الإسلام ودساتيره وقوانينه، من الحكم والقضاء، وعن المحاكم والقضاة. ولكيلا تتدخل – في زعمها – في الدين؛ فصلت ما أسمته بالتعليم الديني عن ما أسمته بالتعليم المدني، لتخرج الإسلام وعلومه وآدابه وحضارته، من التربية والتعليم، وعن المدارس والمعاهد والجامعات، فتم لأوربا من ذلك ما شاءت وأرادت. وليأخذ هذا الغزو طابعه الصليبي ؛ أعلن الماريشال اللانبي الإنكليزي حين احتل بيت المقدس في الحرب العالمية الأولى: (( الآن فقط انتهت الحروب الصليبية !)) . 
وأعلن الجنرال غورو الفرنسي حين احتل دمشق، في الحرب العالمية الأولى كذلك، فوقف في دمشق على قبر صلاح الدين الأيوبي قاهر الصليبية الأولى، وضرب القبر بقدمه، وقال: (( قم يا صلاح الدين فها نحن هنا!)) . 
وانتهى غزو الأرض، وخرج الغزاة، وقضي على الاستعمار الأرضي أو قد كاد، ولكن غزو العقول والقلوب، ابتدأ من جديد، إذ لم يكد يخرج المستعمرون من البلاد، حتى فرقوا الشعب أحزابا وشيعا، كل حزب بما لديهم فرحون، هذا دراسته دينية فهو رجعي متزمت، وذا دراسته مدنية فهو تقدمي متحرر، وصدق نابليون الطاغية الفرنسي، وقد يصدق الكذوب، حين قال: (( ستنتهي فتوحاتي بخروج جيوشي، وستبتدئ فتوحاتي من جديد، ما عاش قانوني يحكم دولة أو شعبا!)) . 
ولنطرد الغزاة والمستعمرين، ولنعود أحرارا كما ولدنا، سادة كما كنا، يجب أن نتحرر من الاستعمار الفكري، ونتحرر من الاستعمار العاطفي، كما تحررنا من استعمار الأرض والتراب، ولا يتم تحرر العقل والقلب من الاستعمار؛ ما لم نحرر التعليم؛ وما لم نحرر المحكمة، فيجب أن نعيد النظر في برامج المدارس والمعاهد والجامعات، كتابا ومنهاجا ومعلما، ويجب أن نعيد النظر في نظام المحاكم، قانونا وقضاء وقاضيا، نعيد النظر في كل ذلك بما يتفق وعروبتنا وديننا وحضارتنا، حتى لا تبقى في البلاد أوزاع شتى من التعليم، هذا ديني وهذا مدني، هذا روحي، وهذا لاديني، وحتى لا تبقى في البلاد أوزاع شتى من المحاكم ؛ هذه شرعية وهذه مدنية . وبذلك تنتهي التفرقة، وتزول أسبابها، فلا يبقى إلا تعليم واحد، ومحكمة واحدة. 
والقرويين في القرن العاشر، قال عنها ابن ميمون: (( إن فاس كان يدرس فيها الطب، وسائر العلوم العقلية )). ومضت كلمته هذه في (علم القرويين). 
وقال عنها اكلينار البلجيكي في أواسط القرن السادس عشر، وقد كان طالبا في القرويين : (( كان يدرس فيها الطب )) . وقال بليش في أول القرن التاسع عشر، وقد أقام في المغرب أربع سنوات : (( إن مدينة فاس هي في إفريقيا أشبه بأثينا عاصمة الفكر في أوربا!)) ، وقد مضت الكلمتان في (علوم القرويين). 
وعلماء القرويين في التاريخ، كان فيهم أئمة لكل علم من علوم الإسلام، والتفسير، والحديث، وفقه الاجتهاد، وفقه المالكية، وفقه الشافعية، والأصول، والفلسفة، واللغة، والنحو، والأدب، والموسيقى، والطب، والهندسة... وكان مــن بين علمائها عالمات، وسآتي لكل ذلك بأمثلة تاريخية، تثبت هذا التنوع في علماء القرويين وتؤيده.
mokhtarat

mokhtarat

هناك تعليق واحد:

  1. eToro صفقات التداول المفتوحة في 227,585,248

    انضم إلى مسيرة النجاح اتصل بأكثر من 4 ملايين متداول ومستثمر من 170 دولة

    ردحذف

يتم التشغيل بواسطة Blogger.