• صوت القرويين

    الخميس، 17 نوفمبر 2016

    الحضور الديني في ملحمتي المسيرة الخضراء والاستقلال



    ذ : عبد الوهاب العمراني 
    هذه مشاركة لي في ندوة علمية نظمتها مقاطعة أكدال فاس بشراكة مع المجلس العلمي المحلي بفاس يوم الأربعاء16 صفر 1438 الموافق 16 نونبر 2016 
    بسم الله الرحمن الرحيم 
    الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف المرسلين وعلى آله وصحبه أجمعين
    عنوان هذه المداخلة :
    الحضور الديني في ملحمتي المسيرة الخضراء والاستقلال 
    تحرص كل أمة من الأمم على الاحتفال بمناسبات دينية ووطنية للاستفادة مما صنعه الأجداد، ولتفادي ما وقعوا فيه من أخطاء، ولاستلهام الدروس والعبر. 
    وتتجلى أهمية إحياء هذه المناسبات في تأكيد شخصية الأمة وإبراز ذاتها، ومقاومة نوازع الفرقة والتنافر بينها، والقدرة على الصمود وتربية النشء الصاعد على التمسك بحب الوطن والاعتزاز بتاريخه وثقافته.
    والتاريخ يعيد نفسه كما يقال، ومن مصلحة بلدنا المحافظة على إحياء هذه المناسبات، لكونها السبيل إلى تحقيق وحدة الأمة وترابطها وتماسكها وقدرتها على البقاء والاستمرار.
    وإن من أعظم الذكريات التي يستحضرها المغاربة كل سنة بكل فخر واعتزاز ذكرى المسيرة الخضراء ومعركة الاستقلال. 
    هاتين الملحمتين نستخلص منهما دروسا عظيمة وعبرا متنوعة وفوائد جمة .
    ومن أعظم هذه الدروس أنه لا سبيل إلى التحرر والاستقلال والتحضر والقوة إلا بالتمسك بكتاب الله تعالى وبسنة رسوله صلى الله عليه وسلم والاهتداء بهديهما والاعتصام بحبلهما، ولذلك كان شعار معركة الاستقلال وملحمة المسيرة الخضراء: الله والقرآن. 
    وقد كانت المسيرة الخضراء رحلة عظيمة من كل أرجاء البلاد المغربية، وفكرة وحدوية رائدة من أجل توحيد الأمة وجمع الشمل والكلمة، مبدؤها الوحدة والاعتصام بحبل الله، وعندما تتوحد الأمة لتستعيد كرامتها وعزتها فإنها تؤهل نفسها للمستقبل .
    هاتين المناسبتين نتذكر من خلالهما معاني الوطنية الحقة، والمحافظة على المقدسات، والحفاظ على وحدة الوطن واستقراره وعزته. 
    بعد هذه المقدمة التمهيدية المختصرة انتقل إلى الجواب عن السؤال التالي :
    ماهي أبرز مظاهر الحضور الديني في ملحمتي المسيرة الخضراء والاستقلال؟ 
    كل من كتب حول هذين الملحمتين يؤكد بأن الجانب الديني كان مركزيا وحاسما، فالإسلام شكل قطب الرحى في الواقعتين، وكان القرآن الكريم هو المحرك الأساسي لهذه الجموع الزاحفة التي كانت تحمل المصحف، حيث أمر الملك الحسن الثاني رحمه الله بتوزيع المصاحف على جميع المشاركين 350 ألف نسخة من المصحف الشريف، وكان هذا زادا يحمله كل واحد ذكورا وإناثا مما يبعث على السكينة والاطمئنان والأمن والأمان في النفوس ?ألا بذكر الله تطمئن القلوب? الرعد الآية 28. 
    شعار هذا الجمع المبارك كان هو القرآن، ولن تخيب أمة شعارها القرآن والنبي صلى الله عليه وسلم يبشرنا بقوله: «رب أشعث أغبر.... لو أقسم على الله لأبره» المستدرك للحاكم، وهؤلاء كانوا شعثا غبرا جراء طول المسافة ووعورة الطريق ولذلك انتصروا بالقرآن، ويذكر بعض المشاركين في المسيرة أن القرآن الكريم كان يسمع في أرجاء المخيمات بشكل فردي وجماعي مما يكسب الناس حماسا واندفاعا كبيرين، هذا الأمر يبين لنا أن القرآن الكريم اعتمد أساسا للتحرر والاستقلال وتحرير الأرض ووحدة الوطن، وبالقرآن فتح الله القلوب وهيأها لتحرير البلاد، وهذا حال الأمة في سائر معاركها وملاحمها عبر التاريخ ، فكلما كان القرآن قائدا وموجها إلا وكانت نتيجة المعركة نصرا وعزا ومنعة ومجدا، وكلما استبعد القرآن إلا وكانت النتيجة هزيمة وذلا وانهيارا وانكسارا . 
    وكان للمسجد دوره البارز في هذا المجال منذ أن انطلقت المسيرة، فيه كان يتجمع الناس استعدادا للانطلاق، وفيه يؤدون صلواتهم، وفيه يستمعون إلى الدروس العلمية التي يلقيها العلماء المؤطرون لهذه المسيرة، حيث كلف الملك الراحل الحسن الثاني مجموعة من العلماء بقيادة هذه المسيرة كل جهة كان يمثلها مجموعة من العلماء، وقد كان انفعال الناس مع هذه الدروس شديدا، والجميع يعلم أن الانطلاقة الكبرى للمسيرة كانت في المسجد الكبير في طرفاية، بعد أن تلقى هؤلاء المشاركون فيه دروس التضحية والمقاومة والعزة والإباء والإيثار والأخوة. 
    إن المسيرة الخضراء قبل انطلاقتها بنيت على مجموعة من المبادئ الإسلامية القرآنية الأساسية والتي منها التعاون والتضامن والأخوة والوحدة وصلة الرحم والجماعة ومحبة الوطن والسلم والتسامح، إنها مسيرة تظهر مبدأ الصبر والتضحية رغم صعوبة المسالك ومشقة التنقل ووعورة الطريق ومفارقة الأهل والولد والبلد، لكن ابتغاء رضا الله ومحبة الوطن يجعل هذا هينا سهلا.
    إن هذه المبادئ الإيمانية الحاضرة في هذه المسيرة هي سبب النجاح ولو لم تكن منطلقات المسيرة إسلامية إيمانية ما كانت لتنجح هذا النجاح الباهر الذي أذهل العالم كله. 
    ومما يؤكد هذا الحضور الديني الواضح في المسيرة الخضراء وجود عامل أساسي آخر يضاف إلى ما سبق ذكره، وهو الذي أوقد نار الحماس والاندفاع والمسابقة للمشاركة في هذه المسيرة، وهو عامل البيعة المعقودة بين الراعي والرعية، والالتحام بين القائد وشعبه، بين الحاكم والمحكوم، وهذ أعطى للمستعمر رسالة واضحة فهم منها ألا مكان له في هذه البلاد، وأن المغرب أمة موحدة في تآلف وتعاون كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى.
    هذا المبدأ الشرعي الإسلامي يعد خاصية من الخصائص المكونة للهوية المغربية وهو مبدأ نطق به القرآن والحديث في قول الله تعالى: ? يأيها الذين ءامنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الامر منكم? النساء الآية :59، وحديث الصحابي الجليل العرباض بن سارية رضي الله عنه : « وعظنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما بعد صلاة الغداة موعظة بليغة ذرفت منها العيون ووجلت منها القلوب، فقال رجل، يارسول الله: إن هذه موعظة مودع فماذا تعهد إلينا يارسول الله؟ قال: أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة ....» الترمذي. 
    هذا المبدأ الذي هو البيعة الشرعية المبنية على السمع والطاعة في المنشط والمكره كان له دور مهم في اندفاع الناس واحتشادهم من كافة الأقاليم المغربية للمشاركة في هذه المسيرة من دون مقابل مادي أو حصول على منصب أو جاه أو منفعة، هذه هي روح المسيرة الخضراء وأخلاقها ومزاياها التي انبثقت من عبقرية ملك عظيم ترك تاريخا يدرسه المختصون والمؤرخون في الجامعات والأكاديميات وغيرها. 
    وقد كان للتعليم العتيق دوره البارز في الحفاظ على كينونة الأمة وصيانة مقدساتها وكرامتها، وكان هو الدعامة الأساسية الذي بسببه حصل المغرب على الاستقلال من المستعمر الفرنسي وحصل هذا بجهاد وتضحيات العلماء والفقهاء الذين كانوا ينيرون للناس الطريق ويعملون على نشر الوعي الديني والوطني لدى العامة من الناس، ويبينون لهم خطورة المستعمر، وأبرز مظهر لهذا جامع القرويين العريق الذي يتحدث عن جحافل من العلماء والفضلاء والصلحاء المجاهدين الذين عكفوا على طلب العلم وتعلمه وتعليمه وبثه في صدور الرجال، وقاموا بأدوار بطولية في إصلاح الأمة واستقرار الدولة والدفاع عن الوطن ووحدة ترابه وحوزة حدوده واستنهاض همم الراعي والرعية للجهاد في سبيل الله .
    في 29 / 01/ 1944 قصد الناس جامع القرويين في جمع مهيب يشمل العلماء والتجار والعامة مرددين : بلطفك مولانا جد علينا تهلك من طغى وتجبر علينا.
    وقد خطب في الناس مجموعة من العلماء والساسة، وكان علماء القرويين يذهبون في مسيرات حاشدة وهم يقرؤون القرآن الكريم وكتاب الشفا للقاضي عياض وصحيحي البخاري ومسلم. 
    ولم يكن هذا الفعل في القرويين فقط بل شمل مجموعة من المساجد المعروفة في المدينة العتيقة منها: مسجد المولى إدريس ومسجد الرصيف، كما اهتم الخطباء بالحدث وذكروا الناس في خطبهم على المنابر يوم الجمعة بالدور الملقى على عاتقهم ألا وهو تحرير الأرض من قبضة المستعمر الغاشم، فجمع علماء القرويين بين جهاد القلم واللسان، وجهاد النفس والسنان، وتصدوا للمستعمر بكل أشكال المقاومة وأذاقوهم سوء العذاب، وهذا يؤكد دور ومركزية المساجد والمعاهد الشرعية بعلمائها في تحرير المغرب واستقلاله، ولم يكن المستعمر يجهل هذا الدور لمسجد القرويين، بل كان يدرك تمام الإدراك أن هذا المسجد هو مصدر كل ضرر يلحقهم، ولذلك كانوا يسمونه بالبيت المظلم، وتصدوا لعلمائه بالقتل والسجن والنفي والفصل من الدراسة والتدريس والحرمان من شواهد التخرج .
    ومن العلماء الذين تعرضوا لانتقام المحتل البغيض؛ محمد بن عبد الكريم الخطابي الذي درس في جامع القرويين وانطلق منه مجاهدا ومقاوما للاستعمار، ومحمد بن العربي العلوي، وعبد العزيز بن إدريس، وعلال الفاسي، والهاشمي الفلالي، ومحمد بن الحسن الوزاني، وعبد الرحمن بلقرشي ...وغيرهم كثير.
    وممن تتلمذنا على أيديهم في القرويين وحكى لنا ماكان يعانيه العلماء من تضييق وإيذاء إبان المطالبة بالاستقلال العلامة عبد الرحمن اربيحة رحمه الله، والذي كان يشار له بالبنان عندما كان يمر بشوارع وأزقة فاس العتيقة لما كان له من مكانة وجرأة في مقاومة المحتل بكافة الأشكال، واسمحوا لي أن أذكر لكم شهادة هذا العالم الجليل حول ما تعرض له من إيذاء وسجن وتعذيب من طرف المستعمر الفرنسي، يقول رحمه الله : "أما السجون التي سجنت فيها فهي سجون المغرب كلها، سجنت هنا بفاس ولكن سجن فاس كان عبارة عن ممر سجني، وسجنت بالرباط، وبسجن دار اغبيلة بالدار البيضاء وبقيت فيه سنتين، وبعين مومن وقضيت فيه سنتين، ومن الرباط كنا نمر دائما للمحكمة العليا، وعلى كل حال فقد قضيت أكثر من سبع سنين داخل السجون، وكفاحنا كان في سبيل الله لا اقل ولا اكثر، لم نكن لا انا ولا الذين كانوا يجاهدون في ذلك الوقت نريد جزاء من أحد سوى الله عز وجل، ثم أحيانا الله سبحانه إلى أن رأينا الاستقلال وهذا فضل من ربنا سبحانه، وأما التعذيب فشيء ضروري وما تلقيناه في السجون شيء لا يقال، لأن ذلك كان من أجل الدعوة في سبيل الله فلا معنى للتحدث به ...
    وقد كان لطلبة القرويين حصة الأسد في الاستقلال هنا في المغرب، لأن حركة المقاومة تأسست من جامع القرويين وأبطال الحركة كلهم أبناء القرويين بحيث طلبة مراكش أبناء القرويين مثل عبد القادر حسن وعبد الله إبراهيم، ثم طلبة الشمال أبناء جامع القرويين، ثم أهل فاس وفيهم علال الفاسي وعبد العزيز بن إدريس والهاشمي الفلالي وغيرهم كثير وهم جميعا من القرويين، ومن القرويين انتقلت الحركة إلى ثانوية المولى إدريس حيث كان الاتصال بين طلبة القرويين وطلبة ثانوية المولى إدريس دائما ومستمرا ومتبادلا، أبناء القرويين يلقون دروسا في العربية والآخرون يلقون دروسا في الفرنسية... " عن مجلة رسالة المعاهد العدد الأول ذو الحجة 1416 الموافق ماي 1996 ص :22.
    هذه شهادة هذا العالم الجليل رحمه الله، وهذه بعض مظاهر الحضور الديني في ملحمتي المسيرة الخضراء والاستقلال والحمد لله رب العالمين.
    تنويه: المقالات والمواضيع المنشورة بالموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع إنما تعبر عن رأي أصحابها
    Scroll to Top