جديد الموقع
recent

نفثات وذكريات من حياة العلامة عبد الحميد زويتن


حمزة الكتاني>>

كان شيخنا الإمام العلامة سيدي عبد الحميد ازويتن رحمه الله تعالى من أفراد العلماء، علما وحالا، فقد كان عالما مشاركا في مختلف علوم الشريعة، مزودا بالثقافة والفلسفة الأجنبية، إضافة إلى تضلعه من الفلسفة الإسلامية، والعرفان الصوفي...

درس نحو خمسين سنة أو تزيد في مختلف المعاهد العلمية؛ وعلى رأسها: الحرم القروي: جامع القرويين الأعظم، ملأه الله بذكره، فقد كان أستاذا في الكلية وأستاذا في الجامع، وكان يمزج دروسه بالموعظة، والنكات العلمية، والرقائق العرفانية، فكان مجلسه مجلسا روحيا، يستفيد منه طالب العلم في تربيته وعلمه...

وقد كان تلميذا مريدا متجردا لشيخنا العارف المقريء الشهير الحاج المكي ابن كيران، رضي الله عنه، وبينه وبينه ملاقاة روحية، وأسرار ربانية يعرفها من كانوا قريبين منهما، وربما أول لقاء لقيته كان في منزل الحاج المكي ابن كيران رضي الله عنه...

وكان رحمه الله تعالى على طريقة علماء فاس، علما وحالا، فقد كان غارقا في محبة النبي صلى الله عليه وسلم، وكان كلما جالسته؛ أهم ما يتحدث فيه ويملأ مجلسه: كمالات النبي صلى الله عليه وسلم، وصفاته، وما يستنبط في القرآن الكريم والسنة النبوية من ذلك، لاهجا ليله ونهاره بالصلاة عليه، والكتابة حوله، لا نعرف من أقرانه في ذلك مثله...

فكان مجلسه مجلس نور وهدى، وعلم وعمل، وبحث ومذاكرة، وهدوء ولوعة وشوق، وتعلق بالله تعالى وبرسوله صلى الله عليه وسلم، جاور آخر عمره الحرم الإدريسي بفاس، وانقطع عن الدنيا، حتى عن أهله وأسرته، وتلبس بحال أهل التجريد، حتى يظنه من لا يعرفه مجذوبا من المجاذيب، وما هو إلا زق علم وهَدْي وهُدى، رحمه الله تعالى...

جالسته مرارا، وكانت بيني وبينه وصلة روحية عن بعد؛ ومن كراماته: أنه صدر مرة كتاب لبعض أئمتنا، وكان الكتاب مصحَّفا كثير الأخطاء، للإمام أبي الفيض محمد بن عبد الكبير الكتاني، قدس سره، وكان الكتاب لما يصل المغرب بعد، ولم أتوصل به، وبالأحرى هو لم يتوصل به أيضا، فهاتفني، ولست أدري من أين حصل على رقم هاتفي؟، ثم قال لي فزعا: "ماذا حدث؟"..فقلت له: "لماذا؟"...قال لي: "لقد شكا الشيخ أبو الفيض لرسول الله صلى الله عليه وسلم تحريف البعض لأحد كتبه، وكان منزعجا جدا؟"...أو كلاما من هذا القبيل...ثم علمت بعد ذلك بالذي حدث، وكان له ما بعده...وعلمت كذلك شفوفية رتبة الشيخ ورفعة قدره..

وبيننا وبين الشيخ زويتن قرابة، وهي أن والدته بنت الإمام العلامة الحافظ الناقد، العارف بالله تعالى، الهائم في رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ أبي الجمال محمد الطاهر بن الحسن بن عمر الكتاني، وهو ابن خالة جد والدي، كان من علماء الطبقة الأولى في فاس، وترك نحو مائة مؤلف، منها شرح على صحيح البخاري، طبعتُ له منها: "مطالع السعادة في اقتران كلمتي الشهادة"، و"الدر المنيف في فضل طلب العلم الشريف"..وقد ناولني سبطه الشيخ زويتن صورة عن كناشته رحمه الله تعالى، فاستخلصت منها وفيات مهمة، ضممتها لكتاب أسأل الله تعالى أن يعجل صدوره...

وقد أجازني الإمام ازوريتن غيرما مرة، وأسمعني الحديث المسلسل بالأولية، وأخيرا أجازني وزوجتي وأبنائي، إذ قبل وفاته بنحو شهر كان يطلب من بعض أودائنا رقم هاتفي، ولم يهاتفني، حتى التقيته بين جامع القرويين والحرم الإدريسي صدفة، فوقفنا مدة طويلة نتذاكر، ثم استجزته لي وللحضور، فأجازنا، وكان من بين الحضور: ابن عمي محمد الناصر بن أسامة الكتاني، ومالك بن أنس بن الفاتح الكتاني وشقيقه بشر، وكانت وفاة الشيخ بعد ذلك اللقاء بثلاثة أسابيع...وهو يروي رحمه الله تعالى عن جمع من العلماء؛ منهم: جدي محدث الحرمين الشريفين الإمام محمد المنتصر بالله الكتاني، وعم والدي العلامة المحدث محمد الناصر لدين الله الكتاني، وعن عالم مكة الشيخ علوي بن عباس المالكي، والمسند الشيخ حسين عسيران، في آخرين...وتخرجت به أجيال من العلماء...

وقد يسر الله لي حضور جنازته من الرباط، وتأبينه في منزل شيخه العارف بالله الحاج المكي ابن كيران، الذي خرج منه؛ إذ أبى أبناء الحاج المكي ابن كيران إلا أن تكون جنازة الشيخ في منزل أبيهم. ثم أبَّنته ودعوت له على شفير قبره؛ حيث دفن بمطرح الأجلة بالقباب، قبالة باب الفتوح، في روضة جده الأعلى من جهة والدته وجدنا؛ الإمام أحمد بن عبد الحي الحلبي، رضي الله عنه...

وبيت زويتن من اليوتات الفاسية المعروفة؛ ترجم له ولأبرز أعلامه نسابة المغرب الشيخ عبد الكبير بن هاشم الكتاني في كتابه الكبير: "زهر الآس في بيوتات فاس"، وقد تقدم فيهم العلماء والأولياء والصالحون؛ من أبرزهم: العارف بالله الشيخ أحمد البدوي ازويتن، تلميذ الشيخ مولاي العربي الدرقاوي، وصاحب الرسائل الكبرى والرسائل الصغرى، المملوءة هدى وعرفانا...

هذه بعض نفثات وذكريات دونتها هنا خضية ضياعها...لله ما أخذ وله ما أعظى وكل شيء عنده بمقدار...رحم الله فقيدنا، وأسكنه فسيح الجنان...

(الصورة أخذت عام 2014، وهي عند مدخل منار جامع القرويين بفاس، يتوسطنا العلامة الشيخ عبد الحميد زويتن رحمه الله تعالى، وعن يمينه الفقير حمزة الكتاني، وبين يدي ابني محمد، وعن يسار الشيخ ابن صهري: إدريس بن منير الكتاني، وقد أجاز شيخنا الجميع في هذا المجلس)
mokhtarat

mokhtarat

يتم التشغيل بواسطة Blogger.